الزمن كوهم ذهني مرتبط بثنائية الوجود/ العدم، الولادة/ الموت.

كتبهارفقي عساف ، في 8 تشرين الأول 2008 الساعة: 19:24 م

52time

في مقال سابق ناقشت حقيقة الزمن وكونه جزء من صورة العقل الذهنية للكون، حيث ينتفي وجود الزمن بانتفاء الدلائل المحيطة مثل حركة عقارب الساعة وحركة الشمس التي تسبب توالي الليل والنهار ومظاهر الشيخوخة لدى الإنسان. وهنا أحب ان أناقش باستفاضة علاقة الزمن كصورة في الذهن البشري كما يفهمها بطبيعة برمجته الآلية وخبراته السابقة والتي هي معينه الأساسي التي يربط من خلاله ويفسر كافة الظواهر التي تمر عليه.

 

إن علاقة الإنسان بفكرة الزمن وفكرة ما قبل وما بعد، وفكرة تقسيم الحياة إلى تقويمات وأيام وأشهر وسنوات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بثنائية الحياة والموت، وما بينهما من نمو، فأهم براهين قياس الزمن هي الطبيعة المتوالية للحياة، حيث الحمل ونموه ومن ثمة الولادة فالنمو الجسدي فالضمور الجسدي ومظاهر التغير في الشكل الخارجي حتى الوصول إلى الموت، هذه العلاقة المتشابكة بين كل هذه العناصر التي ترتبط بقدوم الإنسان من العدم وحتى عودته للاختفاء إلى العدم مجدداً تخلق فكرة الزمن، وتجعلنا نبتعد عن فكرة القطع العرضي ونركز على فكرة النمو الطولي للزمن فقط.

 

الزمن بالنسبة للذات الإلهية بتصوري هو ظاهرة بمقطع عرضي وليست بمقطع طولي كما نراها، أي ليس هناك قبل وبعد، فأحداث الكون بكل حيثياتها وعناصرها موجودة في علم الخالق الأزلي سلفاً، فليس هناك ضرورة لوجود التقسيم الزمني، تماماً مثل السيناريو، فالزمن في الفيلم ينتفي تماماً عند كتابة سيناريو حيث يعلم الكاتب كل الأحداث فيستطيع ان يضيف إلى المشهد الأول عنصراً بناء على ما سيحدث في المشهد الأخير من الفيلم.

 

إن الزمن بالنسبة لنا يسير بشكل طولي كوننا نجهل الجزئيات التي لم تحدث بعد، والتي نطلق عليها في علمنا القاصر مصطلح المستقبل، هذا الجهل بهذا المستقبل الذي يتحرك بتحرك عملية نمونا ورحلتنا باتجاه الفناء يجعلنا نحتاج إلى ترتيب هذه الحياة وتقسيمها فيما نطلق عليه مصطلح الزمن، وهو المكون من الماضي أي الأحداث التي سبق وحدثت والمستقبل أي الأحداث المجهولة والتي لم تحدث بعد، هذا الجهل بهذه الأحداث التي تحدث مع كل دوران للأرض وبالتوازي مع التغيرات الجسمانية التي تطرأ علينا في هذه الرحلة تخلق جدلية الزمن.

 

إن آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن يوم القيامة مثلاً، كلها تتحدث بصيغة الماضي، أي أن كل ما يحدث هو فعلياً سبق وحدث في علم الخالق الأزلي، وهي نظرية قابلة للتصديق تماماً، لأننا لا يجب ان نقيس على أنفسنا كبشر، ونطبق قوانيناً كونية لا تنطبق فعلياً إلا علينا لأنها وضعت لنا فقط.

 

من خلال هذه النظرية يمكننا تفسير كل ما لا يمكن تفسيره من أفكار غيبية، لأن النظام الكوني أوسع من إدراكنا، وحتى آلياتنا العقلية في فهمه هي آليات بدائية، إن إرجاع كل ما لا نفهمه إلى العلم هو إرجاع خاطئ بالمطلق، ورد كل ما لا يقبله العلم هو رد خاطئ بالمطلق، لأن العلم البشري هو مجرد آلية وضعت لتسهيل تأقلم الإنسان مع محيطه الموضوع ليعيش فيه ليس إلا، الأمر أشبه بديكور مسرحية وضع ليتناسب مع النص المكتوب، في كون أوسع بكثير وأرحب،  فلا يجدر قياس العالم ورفض كل ما في العالم الخارجي إن كان لا يتناسب مع هذا الديكور.

 

بالمحصلة، فإن كل العناصر المحيطة بنا من عناصر دنيوية، وعلى رأسها الزمن، هي عناصر قاصرة لا يقاس عليها، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحياتنا ووجودنا، وتستمد البراهين على كينونتها من مظاهر أخرى مرتبطة بهذا الوجود الدنيوي كثنائية الولادة-الموت، والوجود-العدم، وتوالي الليل والنهار.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



نظف مرآتك منك

فلستَ الوجه

ولستَ الصورة