المنطق والعلم.. كأفكار قائمة على خبرات البشر

كتبهارفقي عساف ، في 8 شباط 2009 الساعة: 18:41 م



ما الذي يحدد بأن كل ما هو موجود لا بد له من بداية مثلاً؟ وما الذي يحدد بأن كل إنسان يملك قدمين ويدين وعينين وفماً واحداً؟، ما الذي يحدد أن الكائن البشري ينقسم إلى جنسين.. ذكر وأنثى؟، كل هذا إجابته واحدة، "المنطق"، وما هو المنطق إذا؟ تذكرني هذه الجملة بمسرحية مدرسة المشاغبين حين تسأل سهير البابلي عادل إمام ذات السؤال، فيما يبدو دلالة على عبثية هذا السؤال..

المنطق برأيي هو ما يختزنه الإنسان في عقله من خلال تجاربه، ويتخذه كقانون لهذا الكون، فيما هو قائم فقط على الإدراك البشري والتجربة الإنسانية لا أكثر، والمسلمات التي تصادف الكائن البشري ما بين موته وولادته، فالمنطق أن هناك شمس تشرق كل يوم، لأن مجموع خبرات البشر يقول بأن أحد لم ير يوماً لم تشرق فيه شمس، وحتى لو جاء شخص رأى ذلك فسوف يرفضه العقل الجمعي البشري ويستثنيه لأنه يخالف المنطق المبني على خبرة آلاف السنين والمنطق أنها – أي هذه الشمس - تشرق من جهة الشرق، حيث لا أحد رآها تشرق من اتجاه آخر من قبل، والمنطق أن لكل شيء بداية، لأن العالم البشري ببساطة لا يحوي عنصراً لا بداية له..

الحقيقة وكما أسلفت في مقالات سابقة، هي أن البشر لا يستطيعون إدراك ما هو خارج عن مجموع خبراتهم السابقة، تماماً مثل لغة غريبة، فاللغة الصينية بالنسبة لي وبناء على ما جمعته مدركاتي الحسية من خبرات – لم يكن من بينها تعلم هذه اللغة-  ليست سوى طلاسم صوتية مضحكة لا معنى لها، فيما هناك مليار كائن بشري على هذا الكوكب يتفاهمون من خلالها تماماً كما أتفاهم أنا بالعربية، وقد ابتكر الفلاسفة مفهوم المنطق كمرجعية أساسية في محاولة تفسير العالم، والبناء عليه لإدراك ما لا يدرك.

والجدير بالانتباه هو أن ما فعله الفلاسفة ليس بالخطأ، لأن المنطق، المبني على الإدراك، هو المصدر الوحيد للمعلومات التي قد تساعد في فهم ما استعصى على الإدراك، كون الإنسان لا يعرف مصدراً للمعرفة فيما يتعلق بوجوده إلا من خلال مجموع الخبرات الجمعي للبشرية بأكملها، والبناء على هذه الخبرات للحصول على منطق ونظام كوني يمكن البناء عليه لفهم أسرار الوجود وكل ما لم يتوفر للبشرية خبرات تساعد على فهمه بطريقة مباشرة، مثل خلق الكون، نشوء الإنسان، الموت، وكل ما إلى ذلك من مجاهيل.

وهنا أيضاً جاء تعطش الإنسان للأديان التي تقدم له التفسيرات التي عجز عن الوصول إليها عن أسباب وجوده وما خفي من أمر هذه الكينونة، ولكن الإنسان بدأ يرفض هذه الأديان بناء على تعارضها مع المنطق الذي ابتدعه هو بنفسه، والمبني فقط على حقائق ملموسة ومدركة، ليس من المؤكد بالضرورة انطباقها على عالم أوسع من العالم الضيق الذي يدركه الإنسان.

فالإنسان وضع المنطق ليساعده على فهم الكون بناء على ما عرفه عن عالمه من مسلمات، مثل حقيقة وجود الصوت والصورة، وبأنك إذا أردت أن تحرك شيئاً فيجب أن تلمسه بيدك وهكذا… الخ، ثم جعل من هذا المنطق مقدساً لا يجوز مناقشته أو الخروج عليه، كأنه أصل الأشياء، فيما هو ليس سوى أصل الفهم القائم على الخبرة البشرية لقانون ربما يكون وضع لنا نحن فقط، ولا ينطبق بتاتاً على الوجود بمفهوم أوسع..

والخطأ هنا ليس فقط بالاعتماد على ما هو مدرك بل ومسلم به لإدراك الماورائي والمستعصي على الإدراك، بل وتطبيق ما نعرف على ما لا نعرف واعتباره ناموساً مقدساً لا يحتمل الجدال.

هل تأملت يوماً مقدمة سيارة؟، ألا تذكرك المصابيح الأمامية بالعيون؟، هل رأيت يوماً مخلوقاً فضائياً في فيلم خيال علمي؟، ألا يشبه الإنسان كثيراً أو يشبه أحد المخلوقات أو الحشرات التي رأيتها ؟؟، ألا تلاحظ معي بأن الإنسان يستنسخ نفسه وما حوله حين يحاول ابتكار ما هو جديد، كل هذا يؤكد بأن الإنسان يكتسب ما يعرفه، فيما هو غير قادر على الخلق، والمنطق، الذي يعتبره الإنسان خطه الأحمر في فهم الكون، ما هو إلا بناء هذا الإنسان على كل ما خبره، واعتقاده باستحالة ما هو غير ذلك..

وما ينطبق على المنطق ينطبق على العلم، فالعلم ليس سوى ما تعلمه الإنسان عن نفسه وعن العالم من حوله من خلال خبرات سابقة أو قوانين أرضية، وهو ينطبق تماماً إذا ما أردنا فهم العالم الذي نعرف ، والكون بصورته المادية بناء على القانون الموضوع له، ولكنه لا ينطبق بالضرورة على قضايا الخلق والوجود والموت وما بعده، كونه مبني على نظريات قائمة فقط على قوانين ثابتة قد لا تكون موجودة إلا على كوكبنا، أو في نطاق عالمنا الضيق الذي لا نعرف أو ندرك سواه..

عليك عند التفكير في قضايا غيبية، كالوجود وأسبابه، والخلق والنشوء، والموت وما بعده، والعدم والكينونة، عليك تنحية المنطق والعلم تماماً، كونها عبارة عن ما ابتدعه الإنسان واكتشفه من خلال فهمه للعالم أثناء وجوده الجمعي فيه، وهي مجموع وخلاصة الاستنتاجات القائمة على خبرات الجنس البشري وتاريخه على هذا الكوكب، ولا تنطبق الضرورة بتاتاً على قضايا غيبية لا يمتلك الإنسان أية خبرة مسبقة عنها، ولا يعرف القوانين التي تخضع لها، وهي تقع خارج إطار مدركاته بالمجمل، وبالتالي فالمنطق البشري والمسلمات البشرية لا تطبق عليها بأي شكل من الأشكال..

فحين تقول بأن الله خلق الكون لأن كل شيء له منشئ فهذا ليس الأساس الصحيح للإيمان بالله، وحين تقول بأنه لا بد من خالق لله كون لكل شيء بداية فهذا أيضاً أساس اعتباطي، نعم لكل شيء بداية في حياتنا كبشر، وكل شيء له منشئ في حياتنا ككائنات بشرية أيضاً، ولكن هذا لا ينطبق بالضرورة على الخالق ووجود الكون..

المنطق إذا، هو فكرة وهمية عندما يتعلق الأمر بكل ما يقع خارج إدراكنا أو خبراتنا أو معارفنا السابقة، وهو ليس سوى قانون فلسفي لا ينطبق إلا على عالمنا هذا..

إذا، ما هو مصدر المعرفة ومرجعها الحقيقي الذي يجب أن يرجع إليه الإنسان إذا تحرر من قيود المنطق ومن خبراته السابقة في التعامل مع ما لا يدركه؟؟، العقل، ومحاولة التعامل مع ما يقع خارج دائرتي الإدراك الحسي والخبرات السابقة على هذا الأساس، على أساس عدم الخضوع لأي مسلمات، وترك العقل يشق طريقه بحثاً عن الحقيقة، فما لا يتطابق مع المنطق البشري ليس بالضرورة خاطئاً أو غير موجود، وفكرة الوجود بحد ذاتها وإدراكك لوجودك هذا هي الأساس، فأين يقع عقلك أساساً؟، وهل هو ما رأيته وما مررت به وتعلمته في حياتك فقط؟ أم أنه امتداد لوجود أوسع؟، وإن كان كذلك، فما هو، أو من هو هذا الوجود؟؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “المنطق والعلم.. كأفكار قائمة على خبرات البشر”

  1. رائع رفقي رائـــــــــــــــــع
    تحليل لمضمون التجارب والافكار الخاصة بالانسان
    لقد تناولت المنطق من وجهة نظر جديدة … عند انتهائي من قراءة هذه المقالقة أدركت كم ان الانسان مخلوق صغير جدا في هذا الكون اللامتناهي
    وكم ان الخبرات الجمعية للعقل البشري رغم انها هائلة الا انها ما زالت وستزال قاصرة وربما من وجهة نظري ان الانسان يلجأ احيانا الى الاديان لأن الاديان توفر له تفسيرا لأمور لا يقدر على تفسيرها
    فيشعر حينها بالطمئنينة
    تعقيب اخير : اعتقد ايا الكاتب المبدع ان لهذا المالقة تتمة يجب ان لا تتجاهلها .

    اشكرك رفقي
    ارام

  2. مجهود مشكور علية

    وبالاشارة الى التعقيب السابق فانة وبالرغم من روعه المقالة الا انها قد فرضت عليك ان تكملها

    رامي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



نظف مرآتك منك

فلستَ الوجه

ولستَ الصورة