عن أسعد.. وأشياء لا تغيب

كتبهارفقي عساف ، في 9 تشرين الأول 2007 الساعة: 00:10 ص


 

إلى أسعد أبو نجيلة..

أسعد لمن لا يعرفه هو أقرب أصدقائي إلى جانب صلاح، وأسعد هذا شخصية غريبة بحق، تعانده الدنيا إلى حد أنني بت في وقت ما ألقبه مازحاً بلقب "أتعس"، ويتلقاه بضحكة تشبه على حد قوله ضحكة كبار السن الذين أصبحنا منهم بعدما بتنا على حواف الثلاثين، تعرفت على أسعد في أول أيامي في الجامعة ربما، كان وضعاً مضحكاً، فقد كنت أدرس اللغة الإنجليزية، وكان هذا تخصصاً أغلب طلابه أو لأقل "طالباته" من الإناث، فوجئت بهذا في يومي الأول، وبت واقفاً على باب المحاضرة الأولى بانتظار أن يظهر شاب يشاركني المحاضرة ويخفف عني الحرج، وكان أن ظهر أسعد، شاب ممتلئ، بملامح خليجية، سعدت بظهوره، وما هي إلا لحظات حتى اقترفتُ الجريمة الكبرى كما سماها هو لاحقاً، و"سألته عن الساعة" كذريعة للحديث، ومن هنا بدأت صداقة كبيرة استمرت إلى اليوم، الطريف في الأمر هو أنه لم يحضر تلك المحاضرة معي، ولم أجتنب الحرج، بل إن مدرسة المادة نفسها كانت أستاذة أيضاً، فكنت الشاب الوحيد في تلك القاعة بالمطلق، استمرت صداقتنا خفيفة، وفهمت فيما بعد بأن أسعد فلسطيني مقيم في السعودية، وبدأنا نصبح أصدقاء بالتدريج، كان يسكن لوحده كمغترب، فبدأت أذهب لزيارته وبدأت مغامراتنا، كان يحب الكتابة مثلي، ويحب السينما أيضاً، كما كان لدينا لغتنا الخاصة التي نفهم من خلالها الأشياء بطريقة مختلفة، وتغير حتى شكل أسعد، فأصبح نحيلاً يشبه غربته، كنا نقصد مطعم هاشم لتناول العشاء، ثم مقاهي الساحة الهاشمية، ونسهر في مشاهدة الأفلام التي كانوا يعرضونها عن قنوات الأفلام في "الشو تايم"، وكنا نشارك الفقراء والبلامأوى سهراتهم، ونشاهدهم يطلبون كوباً من الشاي كمبرر للنوم على طاولات المقهى، كنا نجلس هناك حتى الصباح، ثم نخرج لنسير في الساحة الهاشمية ونشاهد الناس يخرجون إلى أعمالهم من خلال مجمع رغدان القديم، ومن ثم نمضي للنوم في بيت أسعد، أو كل إلى بيته، حتى في الشتاء لم نكن نبالي، وكنا نلتف حول المدفأة في المقهى، أو نجلس متدثرين بالأغطية في بيت أسعد حين لم يسعفه المصروف بوقود للمدفأة، في أيام كثيرة كنا نقصد بقالة صديقنا يزيد في جبل الحسين ونجلس هناك على صوت أحدث الأغنيات، أو نذهب لنجلس على سور دوار فراس القديم، وسط اعتراضات بعض الأصدقاء على أنه ليس المكان المناسب للجلوس، وعدم اكتراثي أنا وأسعد لفكرة "البريستيج" بقدر اكتراثنا بفعل ما يوافق مزاجنا الغريب، تعلمنا معاً تصميم الجرافيك، وكم صممنا على جهاز الكمبيوتر الخاص به في سهراتنا الطويلة، ومعاً تعرفنا على الإنترنت، وكم جلسنا في صالة البولينغ بالجامعة وتقاسمنا الحكايا، وكم تعاونّا في قصص حب مراهقة لكسب قلوب حبيبات لن يكنّ لنا، وكنا نحلم بشركة فنية نمتلكها معاً، لم يكمل أسعد الجامعة، فلظروف عائلية اضطر للعودة إلى السعودية، جدة بالتحديد، كان هذا منذ أكثر من خمس سنوات، ومنذ ذلك الوقت ونحن نتواصل باقتضاب من خلال رسائل الموبايل ومكالمات قصيرة، استمر أسعد في فن الجرافيك، واليوم يعمل في هذا المجال، ومؤخراً أصبح له اتصال دائم بالنت، واستطعنا ان نتحدث طويلاً، وقد زار المدونة واطلع على أخباري وكتاباتي التي غابت عنه لسنوات، كان أسعد رفيق حلم السينما حين كان وهماً، وحين كنا نسهر مع الأفلام في مقاهي الساحة كنت أحكي له عن هذا الحلم، اليوم بات يعرف بأن الأحلام يمكن أن تصبح أشياء ملموسة ولو قليلاً، لقد أزالوا مقاهي الساحة الهاشمية، وتغير مكان مجمع رغدان، واحتل مجمع تجاري كبير مكان سور دوار فراس، وترك يزيد البقالة لأبيه بعد أن تزوج، حتى ملامح الجامعة تغيرت، وشقته القديمة ما عادت مكاناً لنا، كل ما بقي هي لغتنا، أحلامنا، وأرواح أطفال ما زالت تسكننا كما كنا، ما زلت أنا ذات الـ "رفقي" وهو ذات الـ "أسعد"..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثرثرة, شخوص | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “عن أسعد.. وأشياء لا تغيب”

  1. جميلة تلك الصداقات وكم هي من مفارقات لهذه الحياة
    لفترة من العمر تكون الصداقة لها وزن وتبقى كالعلامة الفارقة في الهوية - تكون دائمه على مدى العمر.
    تلك الصداقة هي صداقة اللا فائدة - حين يكون الصديق ليس له فيك أي مإرب سوى انه يميل اليك لكونك أنت - لا توجد فوائد مادية او إجتماعة او حتى ملموسه - علاقة صادقة لم يُخطط لها.

    يإعتقادي هذا النوع من الصداقات يجب عدم التخلي عنه وسيقى بأذن الله -.

    بصراحة لقد لفت إنتباهي موضوع ان تكون أنت الرجل الوحيد بالقاعة بين إناث - ولقد وقعت في هذا المأزق مسبقاً وأستطيع فهم معنى ذلك :)

  2. لعل الصداقة تبقى يا صديقي..

    فكما قلت أنت فهي بلا مأرب ولا منفعة.. صداقة حقيقية تستحق الكتابة عنها..

    أما موضوع قاعة المحاضرات فلا تذكرني أرجوك، كان ذلك اليوم صعباً، ولكنه حين تكرر عشرات المرات في السنوات التالية أصبح عادياً..

    شكراً لمرورك الطيب والثري..

    كل الود :)



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



نظف مرآتك منك

فلستَ الوجه

ولستَ الصورة