عن حلم الإخراج.. وحازم البيطار

كتبهارفقي عساف ، في 23 تشرين الثاني 2007 الساعة: 07:04 ص


إلى حازم البيطار
 

كنت طفلاً حين بدأت أفكر بفن الإخراج للمرة الأولى، أذكر بأن ذلك كان بعد مشاهدتي لمسلسل مصري قديم من إخراج المخرج "ابراهيم الصحن"، وكان أكثر ما لفت انتباهي آنذاك كطفل التركيز الكبير على اسم المخرج في نهاية العمل، وإبرازه بحجم كبير وخط مميز، وهي طريقة مميزة كان المخرج "الصحن" يتبعها، لا أذكر اسم المسلسل الآن، أذكر فقط بأنه كان من بطولة النجم "فريد شوقي"، تساءلت آنذاك، من هو المخرج؟؟ ولماذا يعطى هذه الأهمية الكبرى على كل العاملين مع أنه لا يظهر على الشاشة؟ ويترك اسمه لنهاية الشارة ويتم إبرازه بشكل كبير، لم أستطع أن أصل إلى جواب لتساؤلي، ولكن عقلي الصغير قادني لفكرة أن المخرج هو قائد العمل، ويتحمل مسؤولية ما أراه على الشاشة، لأعرف فيما بعد بأن "الصحن" تحديداً هو أحد رواد الدراما التلفزيونية العربية، وأن هذا الرجل الذي لفت عمله انتباهي، لم يكن مخرجاً عادياً بمقاييس الدراما في ذلك الوقت.

 

وبدأت رحلتي مع فهم كلمة إخراج في نفس الفترة تقريباً، كنت في الثامنة من عمري، كانت المدرسة بصدد إنتاج مسرحيتين في ذات الوقت، كنت أركز في تلك الفترة على الرسم، وقامت إدارة المدرسة باختيار طلاب لإجراء اختبارات أداء، وعندها تعرفت على (المخرج) "ماجد المجالي" الذي اختارني من الصف، وطلب مني حفظ دور ظن بأنني قد أكون مناسباً له بفعل صغر حجمي الواضح جداً بالنسبة لسني، وكان دور "الغراب" في مسرحية أبطالها حيوانات ناطقة، مستوحاة عن قصة الثعلب والغراب الشهيرة لـ "لافونتين"، وبالفعل أخذت الأوراق معي إلى البيت وحفظتها، وتنافست أنا وطفل آخر على الفوز بالدور، وفور أن قمت بأداء دوري قرر المخرج إسناد الدور الذي كان بطولة المسرحية لي، واعتذر لزميلي بأن وضعه على لائحة الاحتياط، بعد فترة بدأنا البروفات الاستعدادية، ودخلت عالماً جميلاً جداً يفوق الخيال، ثم بدأ العرض الجماهيري، كانت القاعة تعج بالأطفال والجمهور كل ليلة، وكنت أعاني كثيراً كون صوتي كان منخفضاً والمسرح غير مزود بالميكروفونات، نجحت المسرحية وكتبت عنها صحيفة الرأي، وأشادت بدوري تحديداً آنذاك، أكثر ما خرجت به من الموضوع كان فهماً لحقيقة دور المخرج كمسؤول أول عن العمل المسرحي، كان الرجل يتعامل معنا بطريقة جميلة وكان يدعمنا في لحظات الضغط التي كنا نتعرض لها، وجعلني أحب مهنته لحبي له على المستوى الشخصي، لن أنسى كيف تعامل مع بكائي قبل العرض الأول، إذ كان دوري يتطلب صبغ أنفي باللون الأسود قبل تركيب المنقار المطاطي، فبكيت لأن والدتي ستراني بهذا الشكل، فجلس معي وهدأ من روعي، تواصلت عروض المسرحية، ثم واصلنا عرضها متنقلين بين المدن الأخرى في المملكة، وكانت لحظات تصفيق الجمهور بالنسبة لطفل مثلي لحظات سحرية، وصارت كلمة مخرج بالنسبة لي تشير إلى إنسان يقود عملاً فنياً ليظهر بأبهى صورة، ناهيك عن كونه إنساناً طيباً حنوناً ومتفهماً لظروف العاملين معه.

 

 

بعد ذلك بسنوات، وفي خضم هوسي بالأفلام الأميركية، جاءت طفرة الدراما العربية بصرياً، والتي قادها "نجدت أنزور" في "نهاية رجل شجاع"،  كنت آنذاك على أبواب الخامسة عشرة من عمري، ولفتتني جملة قالها أحد أقاربي أن المسلسل من إخراج "نجدت أنزور"، المخرج الذي عمل في الأردن طويلاً، والذي عرفت فيما بعد أنه أخرج أول فيلم سينمائي أردني معاصر، وأعادني هذا إلى السؤال القديم، من هو المخرج؟ وما دوره بالتحديد تلفزيونياً وسينمائياً؟ وأخذني إلى سؤال جديد، لماذا كان عمل نجدت أنزور مختلفاً؟ ولماذا يحتفى بنجدت أنزور كمخرج أكثر من غيره؟ وما الطفرة التي قادها؟ وبدأت أقارن، واخترت السينما الأميركية كموضوع للمقارنة، كونها الأقوى، فوجدت أن الصورة هي ما كنت أفتقده في الأعمال الدرامية العربية عموماً، وأنها العنصر الذي اعتمد فيه أنزور على طفرته، وبدأت أربط علاقة المخرج بالصورة، فهو إذن مسؤول عن تحويل النص المكتوب إلى صورة على الشاشة، وهو من يحدد كيف ستكون هذه الصورة وهذا النقل والتشخيص.  

 

 

بدأت أتوسع في الموضوع، واتسعت مقارنتي البصرية لتشمل السينما المصرية، وبدأت أحاول أن أقرأ ما يتسنى لي حول الموضوع، حتى وصلت إلى مرحلة بت أستطيع من خلالها أن أعرف اسم المخرج من خلال لغته البصرية، وكان هذا يثير دهشة عائلتيّ الصغيرة والكبيرة، فكنت خلال ولائم رمضان حين أجلس مع أعمامي لأشاهد الحلقات الأولى من المسلسلات أحدد أسماء المخرجين دون قراءتها، وبدأت أدرك بأن هذا هو ما أريد أن أفعله في حياتي، أريد أن أكون مخرجاً، وأن أصنع دراما تمس قلوب الناس، وأريد أن أركز في هذا على الصورة، اللغة التي أحب، كان "نجدت أنزور" يقول بأن الأعمال العربية أشبه بمسلسلات إذاعية، تستطيع أن تتابعها بينما تجلس في غرفة أخرى دون أن يؤثر هذا على استمتاعك بها، وأن الدراما المرئية الحقيقية هي فن بصري أولاً، وقد تعلمت الكثير من هذه العبارات، وبدأت أحلم بنفسي خلف الكاميرا، أحول نصاً مكتوباً على الورق إلى شخوص من لحم ودم، إلى حياة حقيقية، تستطيع أن تراها بجمالية مشهدية لا تراها في الواقع.

 

 

ظللت أبحر في الموضوع بينما تمر السنوات، وأذكر أنني كنت أكتب على دفاتري المدرسية جملاً مثل: مع تحيات المخرج رفقي عساف، ثم كدت أنسى الموضوع في خضم معاناتي مع الثانوية العامة، إذ عانيت من اختيار عائلتي لي للفرع العلمي الذي لم يكن يستهويني، فلم أنجح في الثانوية العامة لسنتين متتاليتين، حتى اقتنع أهلي برأيي وغيرت الفرع ونجحت فوراً في المرة الثالثة، كان هذان العامان من أهم سنوات حياتي، إذ ركزت في الكتابة، وكان حلم الإخراج يكبر في داخلي، وأحس والدي رحمه الله بذلك، ورغم غضبه مني بسبب الثانوية العامة إلا أنه بادر واشترى لي أول كاميرا فيديو في حياتي، كانت كاميرا باناسونيك، وبدأت أصنع أفلامي الصغيرة، وأمنتجها من خلال الكاميرا نفسها، وكان أشقائي أول من مثل أمام كاميرتي.

 

 

بعد نجاحي في الثانوية العامة، دارت نقاشات بيني وبين والدي رحمه الله حول التخصص الذي أرغب بدراسته، وكان الإخراج خياري بلا تردد، حاول ثنيي في البداية كأي أب حريص، وقال الجملة الشهيرة: "الإخراج ما بيطعمي خبز"، وأصريت لكوني أعلم بأنه سيدعمني، وهذا ما كان، تقدمت لدراسة الإخراج في جامعة اليرموك، بدعم من والدي رحمه الله لخياري ومباركته له، كان الانتساب إلى الكلية يتطلب اجتياز اختبار للقبول، وكان اختبار القبول مهزلة لا مثيل لها، قبل الدخول كنت أجلس مع مجموعة من المتقدمين والطلاب، وبدأ طلاب السنة الثالثة يهنئونني قبل أن أدخل، لكوني كنت مدركاً للفن الذي جئت لأدرسه، دخلت، وحالما رأى الفاحص مظهري رأيت في عينيه بأنه غض النظر عني، أحسست هذا في طريقة الاختبار، سألني إن كنت حضرت شيئاً فأجبت بالنفي، فطلب مني أداء دور "بائع بسطة"!! فأخبرته بأنني قادم لدراسة الإخراج لا التمثيل، فأشار إلى صندوق أمامي به بعض مستلزمات الكاميرات، وطلب مني أن أخبره بأسمائها، كنت أعرف معظمها، ولكنني رفضت أن أجيب بسبب أسلوبه، وأخبرته بأنني أتيت لأتعلم، ولو كنت أعرف هذه الأجهزة ما كنت جئت، فطلب مني أداء تمثيلياً من جديد لـ "ملاكم"!!، يترافق مع الخروج من قاعة الفحص والعودة، فقمت بأداء المطلوب، شكرني وخرجت حزيناً وأنا أعرف بأنني لن أقبل، كانوا قد أخبرونا بأنهم سيختارون مئة طالب من المتقدمين، لأكتشف عند نشر النتائج بأنهم قبلوا عشرين طالباً فقط في التنافس، منهم 18 فتاة!!، وشابان فقط، تذكرت اسم أحدهما وتذكرت بأنه كان وسيماً بشكل ملحوظ، فيما ذهبت المقاعد الثمانون على ما أظن للبرنامج الموازي (المدفوع).

 

 

وعدني والدي رحمه الله بتدارك الأمر، وطلب مني الدراسة في كلية الخوارزمي آنذاك، حيث كان برنامج الدبلوم في تخصص الإخراج متوفراً، على أن يرسلني بعد ذلك لمتابعة الدراسة في أوروبا أو مصر، وافقت، ولكن الدوام كان قد بدأ، حاول والدي إقناعهم بقبولي وقصدهم شخصياً، ولم ينجح الأمر، فكان علي أن أنتظر إلى الفصل الثاني، وفي الأثناء بدأ والدي رحمه الله في تدارس خيارات أخرى، بينها المعهد العالي للسينما في مصر، وأجرى بعض الاتصالات، وكم كان دعمه لحلمي رائعاً، وكان الخيار الآخر هو إيجاد "واسطة" للانتساب لليرموك، وفي غمرة هذا الاهتمام غير العادي، وفي فجر يوم حزين، توفي والدي رحمه الله، عن تسعة وأربعين عاماً فقط، بنوبة قلبية مفاجئة، كنت في العشرين، وصرت عجوزاً في الثمانين لفقداني داعمي ومعلمي وصديقي الأول، كنت الأكبر بين أخوتي، فقررت عدم مغادرة عمّان، وضعت حلمي جانباً، وانحزت لأسرتي، سترها الله معنا مادياً بفضل منه، وبمواقف حريصة من شريك والدي الذي حرص على بقاء الشركة، دون أن أضطر للتدخل في شيء، أما نفسياً فكانت وقفة أعمامي الرائعة التي لا تنسى معنا، سألني عمي جمال الذي هو اليوم بمقام أب بالنسبة لي في اليوم الأول ماذا أريد أن أفعل، فأخبرته أنني لن أغادر عمّان، وسأضع حلمي جانباً من أجل أسرتي، وبأنني سأدرس اللغة الإنجليزية في جامعة خاصة جيدة، واخترت العلوم التطبيقية، وهذا ما كان.

 

 
 

مرت السنوات الأربع بسرعة، وكنت أركز خلالها على الكتابة، ولم أفكر بالإخراج إلا كحلم سأستعيده يوم ما، كنت مصراً دون أن أعرف الطريق، وصار الدافع دافعين، فهو حلمي، وهو ما أراد أبي رحمه الله ان أحققه، فصرت أسعى لتحقيقه من أجله أيضاً، أنهيت دراستي الجامعية وعملت مع عمي في البداية، وركزت على الكتابة وبدأت النشر، وبدأت تحقيق شيء في هذه الطريق، وبدأت أظن بأن حلمي صار بعيد المنال، وعندها، ظهر  حازم البيطار.

 

 
 

قرأ صديقي الأقرب "صلاح"، حواراً في صحيفة الغد مع حازم البيطار، يدور حول تعاونية عمّان للأفلام، وبأنها تعاونية تهتم بتعليم الموهوبين الشباب فن الإخراج، وذلك دون مقابل، من خلال ورش للعمل، وتساعدهم على إنجاز أفلام قصيرة أولى ودخولهم هذا المجال، لم يحتو المقال على رقم أو عنوان، فحاولت الاتصال بكاتبة المقال، وكانت الصحفية الصديقة تغريد الرشق، ولم أستطع الوصول إليها، واستمرت رحلة البحث أشهراً، وفي النهاية أخبرني صديقي "حامد" الذي يسكن قريباً من جاليري مكان في جبل اللويبدة بأنه سمع بأن أفلام التعاونية تعرض هناك، فطلبت منه أن يحضر لي رقم حازم البيطار، وهكذا فعل، في المكالمة الأولى كنت متحمساً للغاية، وحاول حازم تهدئة حماسي، وأخبرني بأن الكثيرين يكونون متحمسين جداً ولكنهم يجدون المجال صعباً، فأكدت له بأنني لست من هؤلاء، أعطاني عنوان الموقع الإلكتروني للتعاونية وطلب مني تسجيل بريدي الإلكتروني لتصلني رسالة في حال تنظيم ورشة، وهذا ما كان، فذهبت وحضرت أكثر من ورشة عمل بإدارة حازم، وكانت ورشات مفيدة جداً، فتحت عقلي على آفاق الأفلام القصيرة قليلة التكلفة، وحين بدأ حازم التفكير بفيلم الترقيعة الأخيرة واقترب بدء التصوير عرض علي العمل كمخرج مشارك معه كمشرف ومع عمر صالح، كنت آنذاك محبطاً إذ كنت أعمل لساعات طويلة في شركة للدعاية والإعلان، وجاءني هذا العرض كباب واسع للحلم، وافقت فوراً وأحسست بأن الروح عادت إلي، وهكذا رأى فيلمي الأول النور.

 
 

استمرت علاقتي بحازم والتعاونية بعد ذلك، من خلال التعاون، والتشاور الدائم، تركت عملي في شركة الدعاية وعدت إلى عملي مع عمي في محلنا الخاص بالتصوير الفوتوغرافي، وتفرغت للكتابة والإخراج، واستمر دعم حازم البيطار لي من خلال خبرته كمخرج ومنتج منفتح على أوروبا وعلى سوق الأفلام القصيرة في العالم، وأنا أدين له بعد الله عز وجل بفضل وضع القدم على أول طريق حلم حياتي الذي كدت أفقده، ولن أنسى ما حييت مدى وأهمية ما قدمه لي على المستويين الفني والإنساني، دون أي مقابل مادي، ناهيك عن أمر غاية في الأهمية، هو احترامي لهذا الرجل على مستوى مواقفه الوطنية، واتجاهاته الإنسانية المنحازة للطبقات المسحوقة، فهو فنان ذو حس عال بالإنسان، وهو معلم يتبرع بوقته وجهده وخبرته لمساعدة الآخرين على تحقيق حلم السينما، قد نختلف أحياناً كأي زميلين، ولكننا نتفق على حبنا لهذا الفن، وعلى ما نريد أن نقوله من خلاله بطريقة أو بأخرى، ولا بد أن نتفق على امتناني الأكيد لما فعله، ووفائي لما قدمه لي..

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثرثرة, شخوص | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “عن حلم الإخراج.. وحازم البيطار”

  1. هذا الفيلم من اخراجي وان شاء الله يعجبك وانا مبتدئ

    http://www.4shared.com/file/46954908/d7e743e7/__online.html?

    وشكراااااااا ( خالد هلالات )



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



نظف مرآتك منك

فلستَ الوجه

ولستَ الصورة