المرأة ومهنة التمثيل في الأردن.. بين مجتمع محافظ ووسط فني قليل الإنتاج *
كتبهارفقي عساف ، في 29 تشرين الثاني 2007 الساعة: 00:23 ص

التمثيل أو "التشخيص" أحد أهم الفنون على الإطلاق، وأكثرها تفاعلاً مع المجتمع ووصولاً إلى الناس، حيث هو انعكاس طبيعي لحركة الشخوص في الواقع، وطرح لهذه الشخوص ضمن أطر درامية مرسومة تمثل هي أيضاً انعكاساً للواقع والحياة بالمجمل، وكما كل الفنون في هذا العالم، فالموهبة الحقيقية لا تفرق بين ذكر وأنثى، فتشكل الممثلة الموهوبة عنصراً أساسياً لا غنى عنه في الدراما، سينمائياً وتلفزيونياً ومسرحياً.
نعاني كمخرجين أردنيين (سينمائيين وتلفزيونيين) من غياب الجنس اللطيف عن المشهد الفني الأردني، وهذه المشكلة تطفو على السطح منذ سنوات ازدهار الدراما الأردنية في الثمانينيات، حيث كثيراً ما كانت تتم الاستعانة بممثلات عربيات من لبنان وسوريا لأداء أدوار في المسلسلات الأردنية، فبرزت أسماء مثل صباح السالم وفيلدا سمور، وديانا رحمة وغيرهن على الساحة الدرامية التلفزيونية الأردنية.
قبل سنوات قليلة ومع انطلاق محاولات جادة تستفيد من التطور الملموس في تقنيات التصوير والمونتاج الرقمية قليلة الكلفة، وظهور جيل من السينمائيين الشباب الذين يرسمون خطواتهم الأولى في هذا المجال، عادت هذه المشكلة للظهور كمشكلة أساسية، وقد استطعت كمهتم ومشتغل في المجال أن ألاحظ أن المسبب الأول الذي كانت تعاد إليه هذه المشكلة في الثمانينيات ألا وهو المجتمع المحافظ المنغلق قد خفتَ تأثيره مع وجود جيل أكثر انفتاحاً وتفهماً، وزيادة الوعي تجاه الفن عموماً، وزيادة قبول هكذا مهن في المجتمع الأردني.
باتت المسؤولية برأيي تقع على عاتق المخرجين والمنتجين في البحث الدؤوب عن مواهب نسائية شابة مهتمة بدخول هذا المجال الإبداعي الذي يفتح أفقاً للتميز، وتقصير القائمين على الأعمال الفنية الجديدة في البحث عن مواهب نسائية حقيقية يمكنها ان تشق طريقها إلى نجومية الإبداع في صورة "التشخيص"، أحد أقدم الفنون وأكثرها تأثيراً..
برأيي فإن قلة نشاط المسرح الأردني مؤخراً بسبب الصعوبات الجمة التي يواجهها هذا النشاط الفني والثقافي الهام، أثر سلباً على أكثر معين كان يمكن أن يرفد الساحة السينمائية الأردنية الشابة بالكثير من الوجوه النسائية العاشقة للتمثيل والتي يزودها المسرح بالخبرة ويساعدها في صقل مواهبها لتدخل إلى باب الكاميرا جاهزة لتقديم الكثير.
كذلك فإن قلة نشاط المؤسسات التعليمية وعدم اهتمامها بتدريس التمثيل الاحترافي، والإيمان بعدم وجود عائد مادي لهذه المهنة في الأردن، وعدم توفر ورش إعداد الممثل تماثل تلك الموجودة في دول كثيرة، بسبب عدم الإقبال عليها في الأردن، كل هذا أدى برأيي إلى انحسار الاهتمام من قبل الجنس اللطيف في الأردن بدخول هذا المجال على الرغم من وجود الشغف لدى الكثيرات للوقوف أمام الكاميرا والأداء.
إن سمعة العمل الفني في مجتمع محافظ كالأردن مرتبطة بالكثير من الممارسات التي يعتقد بأن الفن والنجومية عادة ما ترتبطان بها، مع أن هذه النظرة خاطئة في كثير من الأحيان، إلا أنها مبررة في ظل عدم وجود حراك فني حقيقي يقدم أعمالاً على مستوى فني راق تعيد إلى الفنون البصرية في الأردن احترامها والنظرة الإيجابية لها.
إن الخلط في المجتمع الأردني بين الشهرة والتشهير عندما يتعلق الأمر بالمرأة هو من أهم الأسباب التي تجعل من مهمة عمل المرأة في فن التمثيل مهمة صعبة للغاية تواجه بالكثير الكثير من التحديات والصعوبات وتتسبب في عزوف المرأة عن هذه المهنة تجنباً لمواقف اجتماعية سلبية كثيرة، وانطلاقاً أيضاً من عدم وجود حافز قوي يتمثل كما قلت في وجود نشاط فني حقيقي قائم وصناعة فنية حقيقية قائمة على أسس متينة.
على الرغم من كل ما سبق ذكره وفي ظل هذه المشكلة، إلا أن هذا لا ينفي ظهور مجموعة من الأسماء النسائية التي أثبتت وجودها بقوة في الساحة الفنية الأردنية وحتى العربية، وبالتحديد التلفزيونية منها، حيث ظهرت في سنوات الثمانينيات ومطلع التسعينيات أسماء مثل عبير عيسى، نادرة عمران، جولييت عواد، ريم سعادة، شفيقة الطل، قمر الصفدي وغيرهن، ومن ثم لاحقاً صبا مبارك ولارا الصفدي والأخيرتان وجدتا في الدراما السورية ملاذا للتعبير عن موهبتيهما في ظل قلة الإنتاج الأردني بالرغم من ظهورهما في الدراما الأردنية أولاً.
كما ترافق الحراك الفني السينمائي مؤخراً بظهور وجوه جديدة شاركت في أفلام المخرجين الشباب في أدوار صغيرة بحكم كون أغلب التجارب تتمحور حول أفلام سينمائية رقمية قصيرة، وأرى بأن هذا الحراك لا بد ان يترافق أيضاً مع نشاط للمؤسسات التعليمية، وللمسرحيين والسينمائيين الأردنيين، لنشر الثقافة الفنية، والتوعية بأهمية فن التمثيل كرافد أساسي ومهم لأي فرع من فنون الدراما.
ختاماً، فالعنصر البشري برأيي هو أهم عناصر الفن والإبداع حكماً، ويأتي دوره مقدماً على أي العناصر الأخرى في العمل الفني، ويجب إيلاء هذا العنصر الاهتمام الكافي على صعيد اكتشاف الموهبة والتأهيل والتدريب وإتاحة الفرص، لخلق جيل من المبدعين الذين يعكس إبداعهم درجة التحضر في بلادهم، وفي المجتمعات المحافظة كالأردن، فإن فتح الباب أمام المرأة للعمل الفني، لا يكون إلا بتقديم أعمال راقية فنياً وجمالياً تشجع وتجتذب عشاق الفن الحقيقي للعمل فيها، وتساهم في تغيير نظرة المجتمع السلبية إليها.
* نشر المقال في مجلة تايكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 6th, 2007 at 6 ديسمبر 2007 8:49 ص
مما لاشك فيه يلعب التمثيل دور حيوي في حياتنا الاجتماعية
فالمسلسلات والافلام ما هي الا مرأة للمجتع الذي نعيش فيه
يناير 2nd, 2008 at 2 يناير 2008 12:04 م
هو ذاك يا صديقي
شكراً لمرورك الطيب