إلى حازم البيطار
كنت طفلاً حين بدأت أفكر بفن الإخراج للمرة الأولى، أذكر بأن ذلك كان بعد مشاهدتي لمسلسل مصري قديم من إخراج المخرج "ابراهيم الصحن"، وكان أكثر ما لفت انتباهي آنذاك كطفل التركيز الكبير على اسم المخرج في نهاية العمل، وإبرازه بحجم كبير وخط مميز، وهي طريقة مميزة كان المخرج "الصحن" يتبعها، لا أذكر اسم المسلسل الآن، أذكر فقط بأنه كان من بطولة النجم "فريد شوقي"، تساءلت آنذاك، من هو المخرج؟؟ ولماذا يعطى هذه الأهمية الكبرى على كل العاملين مع أنه لا يظهر على الشاشة؟ ويترك اسمه لنهاية الشارة ويتم إبرازه بشكل كبير، لم أستطع أن أصل إلى جواب لتساؤلي، ولكن عقلي الصغير قادني لفكرة أن المخرج هو قائد العمل، ويتحمل مسؤولية ما أراه على الشاشة، لأعرف فيما بعد بأن "الصحن" تحديداً هو أحد رواد الدراما التلفزيونية العربية، وأن هذا الرجل الذي لفت عمله انتباهي، لم يكن مخرجاً عادياً بمقاييس الدراما في ذلك الوقت.
وبدأت رحلتي مع فهم كلمة إخراج في نفس الفترة تقريباً، كنت في الثامنة من عمري، كانت المدرسة بصدد إنتاج مسرحيتين في ذات الوقت، كنت أركز في تلك الفترة على الرسم، وقامت إدارة المدرسة باختيار طلاب لإجراء اختبارات أداء، وعندها تعرفت على (المخرج) "ماجد المجالي" الذي اختارني من الصف، وطلب مني حفظ دور ظن بأنني قد أكون مناسباً له بفعل صغر حجمي الواضح جداً بالنسبة لسني، وكان دور "الغراب" في مسرحية أبطالها حيوانات ناطقة، مستوحاة عن قصة الثعلب والغراب الشهيرة لـ "لافونتين"، وبالفعل أخذت الأوراق معي إلى البيت وحفظتها، وتنافست أنا وطفل آخر على الفوز بالدور، وفور أن قمت بأداء دوري قرر المخرج إسناد الدور الذي كان بطولة المسرحية لي، واعتذر لزميلي بأن وضعه على لائحة الاحتياط، بعد فترة بدأنا البروفات الاستعدادية، ودخلت عالماً جميلاً جداً يفوق الخيال، ثم بدأ العرض الجماهيري، كانت القاعة تعج بالأطفال والجمهور كل ليلة، وكنت أعاني كثيراً كون صوتي كان منخفضاً والمسرح غير مزود بالميكروفونات، نجحت المسرحية وكتبت عنها صحيفة الرأي، وأشادت بدوري تحديداً آنذاك، أكثر ما خرجت به من الموضوع كان فهماً لحقيقة دور المخرج كمسؤول أول عن العمل المسرحي، كان الرجل يتعامل معنا بطريقة جميلة وكان يدعمنا في لحظات الضغط التي كنا نتعرض لها، وجعلني أحب مهنته لحبي له على المستوى الشخصي، لن أنسى كيف تعامل مع بكائي قبل العرض الأول، إذ كان دوري يتطلب صبغ أنفي باللون الأسود قبل تركيب المنقار المطاطي، فبكيت لأن والدتي ستراني بهذا الشكل، فجلس معي وهدأ من روعي، تواصلت عروض المسرحية، ثم واصلنا عرضها متنقلين بين المدن الأخرى في المملكة، وكانت لحظات تصفيق الجمهور بالنسبة لطفل مثلي لحظات سحرية، وصارت كلمة مخرج بالنسبة لي تشير إلى إنسان يقود عملاً فنياً ليظهر بأبهى صورة، ناهيك عن كونه إنساناً طيباً حنوناً ومتفهماً لظروف العاملين معه.
بعد ذلك بسنوات، وفي خضم هوسي بالأفلام الأميركية، جاءت طفرة الدراما العربية بصرياً، والتي قادها "نجدت أنزور" في "نهاية رجل شجاع"، كنت آنذاك على أبواب الخامسة عشرة من عمري، ولفتتني جملة قالها أحد أقاربي أن المسلسل من إخراج "نجدت أنزور"، المخرج الذي عمل في الأردن طويلاً، والذي عرفت فيما بعد أنه أخرج أول فيلم سينمائي أردني معاصر، وأعادني هذا إلى السؤال القديم، من هو المخرج؟ وما دوره بالتحديد تلفزيونياً وسينمائياً؟ وأخذني إلى سؤال جديد، لماذا كان عمل نجدت أنزور مختلفاً؟ ولماذا يحتفى بنجدت أنزور كمخرج أكثر من غيره؟ وما الطفرة التي قادها؟ وبدأت أقارن، واخترت السينما الأميركية كموضوع للمقارنة، كونها الأقوى، فوجدت أن الصورة هي ما كنت أفتقده في الأعمال الدرامية العربية عموماً، وأنها العنصر الذي اعتمد فيه أنزور على طفرته، وبدأت أربط علاقة المخرج بالصورة، فهو إذن مسؤول عن تحويل النص المكتوب إلى صورة على الشاشة، وهو من يحدد كيف ستكون هذه الصورة وهذا النقل والتشخيص.
بدأت أتوسع في الموضوع، واتسعت مقارنتي البصرية لتشمل السينما المصرية، وبدأت أحاول أن أقرأ ما يتسنى لي حول الموضوع، حتى وصلت إلى مرحلة بت أستطيع من خلالها أن أعرف اسم المخرج من خلال لغته البصرية، وكان هذا يثير دهشة عائلتيّ الصغيرة وال
المزيد