المنطق والعلم.. كأفكار قائمة على خبرات البشر

شباط 8th, 2009 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات



ما الذي يحدد بأن كل ما هو موجود لا بد له من بداية مثلاً؟ وما الذي يحدد بأن كل إنسان يملك قدمين ويدين وعينين وفماً واحداً؟، ما الذي يحدد أن الكائن البشري ينقسم إلى جنسين.. ذكر وأنثى؟، كل هذا إجابته واحدة، "المنطق"، وما هو المنطق إذا؟ تذكرني هذه الجملة بمسرحية مدرسة المشاغبين حين تسأل سهير البابلي عادل إمام ذات السؤال، فيما يبدو دلالة على عبثية هذا السؤال..

المنطق برأيي هو ما يختزنه الإنسان في عقله من خلال تجاربه، ويتخذه كقانون لهذا الكون، فيما هو قائم فقط على الإدراك البشري والتجربة الإنسانية لا أكثر، والمسلمات التي تصادف الكائن البشري ما بين موته وولادته، فالمنطق أن هناك شمس تشرق كل يوم، لأن مجموع خبرات البشر يقول بأن أحد لم ير يوماً لم تشرق فيه شمس، وحتى لو جاء شخص رأى ذلك فسوف يرفضه العقل الجمعي البشري ويستثنيه لأنه يخالف المنطق المبني على خبرة آلاف السنين والمنطق أنها – أي هذه الشمس - تشرق من جهة الشرق، حيث لا أحد رآها تشرق من اتجاه آخر من قبل، والمنطق أن لكل شيء بداية، لأن العالم البشري ببساطة لا يحوي عنصراً لا بداية له..

الحقيقة وكما أسلفت في مقالات سابقة، هي أن البشر لا يستطيعون إدراك ما هو خارج عن مجموع خبراتهم السابقة، تماماً مثل لغة غريبة، فاللغة الصينية بالنسبة لي وبناء على ما جمعته مدركاتي الحسية من خبرات – لم يكن من بينها تعلم هذه اللغة-  ليست سوى طلاسم صوتية مضحكة لا معنى لها، فيما هناك مليار كائن بشري على هذا الكوكب يتفاهمون من خلالها تماماً كما أتفاهم أنا بالعربية، وقد ابتكر الفلاسفة مفهوم المنطق كمرجعية أساسية في محاولة تفسير العالم، والبناء عليه لإدراك ما لا يدرك.

والجدير بالانتباه هو أن ما فعله الفلاسفة ليس بالخطأ، لأن المنطق، المبني على
المزيد


فيلم المليونير المتشرد.. سينماتوغرافيا ساحرة.. لتقنية سرد مجددة

كانون الثاني 20th, 2009 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات

4401
إن المتتبع لفيلم المليونير المتشرد الحائز على جائزة غولدن غلوب للمخرج  داني بويل يُستلب تماماً بتقنية السرد الآسرة التي ينحوها السيناريو، ويؤخذ بطريقة حكي القصة غير التقليدية والتي تعتمد على الفلاش باكات المتداخلة بانسياب ودون تعقيد، وأكثر ما يلفت الانتباه هو استخدام تقنية السرد هذه في قصة حب إنسانية من الدرجة الأولى تحكي عن عالم المهمشين وتغوص فيه بإمعان، بكاميرا مجددة في ابتكار الجماليات، وهي الخلطة التي قل نظيرها حين يمتزج الإبداع السردي الإخراجي بحميمية القصة وواقعيتها المفرطة، مما لا شك يذكّرنا بالفيلم البرازيلي الساحر مدينة الله والذي يتقاطع مع هذا الفيلم في عديد من العناصر. 

475

فيلم جميل، بصريا بالتحديد، فالكاميرا التي قادها مدير التصوير أنتوني دود مانتل وفاز ورشح عنها للعديد من الجوائز كانت كاميرا مجددة، وهذا أهم ما فيها، إذ غاصت في عوالم المهمشين وانتقلت جزئياً إلى المدينة الراقية بسلاسة مدهشة، بابتكارات بصرية مع الحفاظ على نسق واحد اعتمد على اللونين الأزرق والأصفر وتدرج من خلالهما بحسب الأحاسيس في كل مشهد ليقدم وجبة بصرية متفردة شديدة الجمال، وللحق فإن مواقع التصوير الساحرة ساهمت في هذا التميز.


قصة حب غريبة، عن شاب فقير يشارك في النسخة الهندية من برنامج من سيربح المليون، ويأخذنا السيناريو في تداخلات وتفرعات معتمداً على تشابك أكثر من فلاش باك ليحكي لنا القصة، وما يحسب سواء للمخرج أو لك

المزيد


الزمن كوهم ذهني مرتبط بثنائية الوجود/ العدم، الولادة/ الموت.

تشرين الأول 8th, 2008 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات

52time

في مقال سابق ناقشت حقيقة الزمن وكونه جزء من صورة العقل الذهنية للكون، حيث ينتفي وجود الزمن بانتفاء الدلائل المحيطة مثل حركة عقارب الساعة وحركة الشمس التي تسبب توالي الليل والنهار ومظاهر الشيخوخة لدى الإنسان. وهنا أحب ان أناقش باستفاضة علاقة الزمن كصورة في الذهن البشري كما يفهمها بطبيعة برمجته الآلية وخبراته السابقة والتي هي معينه الأساسي التي يربط من خلاله ويفسر كافة الظواهر التي تمر عليه.

 

إن علاقة الإنسان بفكرة الزمن وفكرة ما قبل وما بعد، وفكرة تقسيم الحياة إلى تقويمات وأيام وأشهر وسنوات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بثنائية الحياة والموت، وما بينهما من نمو، فأهم براهين قياس الزمن هي الطبيعة المتوالية للحياة، حيث الحمل ونموه ومن ثمة الولادة فالنمو الجسدي فالضمور الجسدي ومظاهر التغير في الشكل الخارجي حتى الوصول إلى الموت، هذه العلاقة المتشابكة بين كل هذه العناصر التي ترتبط بقدوم الإنسان من العدم وحتى عودته للاختفاء إلى العدم مجدداً تخلق فكرة الزمن، وتجعلنا نبتعد عن فكرة القطع العرضي ونركز على فكرة النمو الطولي للزمن فقط.

 

الزمن بالنسبة للذات الإلهية بتصوري هو ظاهرة بمقطع عرضي وليست بمقطع طولي كما نراها، أي ليس هناك قبل وبعد، فأحداث الكون بكل حيثياتها وعناصرها موجودة في علم ا

المزيد


"لا مكان للرجال العجائز" سينما عن قسوة الإنسان.. بعيداً عن المعالجات النمطية..

آذار 11th, 2008 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات


أجلت الكتابة عن هذا الفيلم حتى تتضح معالم جوائز الأكاديمية "الأوسكار" لهذا العام، إذ كنت أتوقع له الكثير، وصدق توقعي، فقد حصد فيلم "لا مكان للرجال العجائز" ثلاثة من أهم الجوائز برأيي وأتبعها برابعة لا تقل أهمية، فحصد جوائز أفضل سيناريو مقتبس، وأفضل إخراج، وأفضل فيلم، بالإضافة إلى الجائزة التي لم يكن ليختلف عليها اثنان، جائزة أفضل ممثل في دور مساعد للإسباني الكاريزمي "خافيير باردام"، وأثبت الأخوان إيثان وجويل كوين في هذا الفيلم بأنك يكفي أن تصنع فيلماً قريباً من الأرض، ومختلفاً عن الثيمات السينمائية المستهلكة والنهايات بل وحتى الحبكات المتوقعة لتحصد ثناء سينمائياً مستحقاً.

 

فيلم "لا مكان للرجال العجائز" هو تحفة سينمائية حقيقية، ويستحق أن يكون الفيلم رقم ثمانين الذي يحصد أوسكار أفضل فيلم، فالفيلم المقتبس عن رواية تحمل نفس الاسم لـ "كورماك مكارثي"، والذي بدوره اقتبس الاسم من مقطع من قصيدة للشاعر المعروف "ييتس"، فيلم قريب من الحقيقة المفجعة، بأن العالم مكان قاس للعيش، وبأننا مع مرور الوقت نصنع عالماً يزداد وحشية، ويتأقلم قساته وطغاته مع كل الظروف فيزدادون شراسة واستعصاء على المواجهة.


 

بني الفيلم على الواقع، وبنى عليه، في تناول سينمائي شيق يعتمد على ما لم تره في السينما من قبل، من جمل يومية، وواقعية مفرطة، وأداء مختلف على كافة الصعد، من تمثيل وتصوير وإخراج، فجاء مبهراً، قريباً من القلب رغم قسوته، يتركك وقد عرفت بأن السينما غير التقليدية هي البوابة للعصر السينمائي القادم، في حبكة مجددة، وأحداث غير متوقعة، ومعالجة بعيدة كل البعد عن أي قوالب سينمائية جاهزة اعتاد

المزيد


مصطفى شعبان.. موهبة تمثيلية كبيرة.. لم يستخدم من طاقاته إلا القليل..

كانون الأول 24th, 2007 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات


إن المتتبع لمسيرة الممثل المصري الشاب مصطفى شعبان، يلاحظ التنوع الأدائي الكبير الذي قدمه هذا الممثل على امتداد أعماله السينمائية والتلفزيونية، فمنذ أوائل إطلالاته السينمائية في فيلم رومانتيكا، ثم فيلم القبطان مع محمود عبد العزيز، ثم فيلم الشرف، ومن ثم أداؤه المميز لدور الشاب الساذج الراكض وراء الملذات في فيلم فتاة من إسرائيل، ودخوله مدرسة يوسف شاهين الأدائية في "سكوت حنصور" مروراً بأدائه لأول بطولة في فيلم جرئ وعميق هو "النعامة والطاووس"، ثم دور عميق آخر ساخر في "خلي الدماغ صاحي"، ومن ثم النقلة النوعية في "مافيا"، وأداؤه اللامع الذي حوله إلى نجم شباك، لكنه بذلك قربه للأسف إلى أفلام الحركة، التي أعتقد بأنها لا تناسبه، فقدم أداء غير مقنع برأيي بعد ذلك في أحلام عمرنا رغم إيماني بحرفية المخرج "عثمان أبو لبن"، وكان الفيلم من النوع الرومانسي الممزوج بالحركة التي يتميز فيها أبو لبن، ليعود بعد ذلك فيقدم فيلم حركة بالكامل مع أبو لبن نفسه الذي أعتبره أفضل مخرجي أفلام الحركة عربياً، فقدما فيلماً ذكياً في "فتح عينيك"، مع انني أرى بأن مصطفى شعبان ظلم نفسه بهذا الانتقال إلى أفلام الحركة رغم تميزه فيها في مافيا، فشهد أداؤه تذبذباً في فتح عينيك، وتراجعاً في آخر الأفلام "كود 36"، فكان أداؤه وأداء "مايا نصري" من أفضل ما في الفيلم، وهذا لا يعني أن أداءه أعاد إلى الأذهان موهبته الكبيرة، بل لأن الفيلم نفسه لم يكن بالمستوى المطلوب، حتى أدواره التلفزيونية نجح منها برأيي دور سعيد في مسلسل "عائلة الحاج متولي"، ولم ينجح دوره البوليسي في مسلسل "العميل 1001" بالشكل المطلوب.

 

بعد هذا الاستعراض لأعمال مصطفى شعبان علي أن أرجع إلى فن التمثيل أو التشخيص عموماً، والذي أؤمن بأنه فن يعتمد قبل كل شيء على الموهبة، وهي الأساس الأول لهذا الفن، كما يعتمد على التوازن النفسي والتوافق العصبي للممثل في السيطرة على مشاعره وانفع

المزيد


المرأة ومهنة التمثيل في الأردن.. بين مجتمع محافظ ووسط فني قليل الإنتاج *

تشرين الثاني 29th, 2007 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات


التمثيل أو "التشخيص" أحد أهم الفنون على الإطلاق، وأكثرها تفاعلاً مع المجتمع ووصولاً إلى الناس، حيث هو انعكاس طبيعي لحركة الشخوص في الواقع، وطرح لهذه الشخوص ضمن أطر درامية مرسومة تمثل هي أيضاً انعكاساً للواقع والحياة بالمجمل، وكما كل الفنون في هذا العالم، فالموهبة الحقيقية لا تفرق بين ذكر وأنثى، فتشكل الممثلة الموهوبة عنصراً أساسياً لا غنى عنه في الدراما، سينمائياً وتلفزيونياً ومسرحياً.


نعاني كمخرجين أردنيين (سينمائيين وتلفزيونيين) من غياب الجنس اللطيف عن المشهد الفني الأردني، وهذه المشكلة تطفو على السطح منذ سنوات ازدهار الدراما الأردنية في الثمانينيات، حيث كثيراً ما كانت تتم الاستعانة بممثلات عربيات من لبنان وسوريا لأداء أدوار في المسلسلات الأردنية، فبرزت أسماء مثل صباح السالم وفيلدا سمور، وديانا رحمة وغيرهن على الساحة الدرامية التلفزيونية الأردنية.


قبل سنوات قليلة ومع انطلاق محاولات جادة تستفيد من التطور الملموس في تقنيات التصوير والمونتاج الرقمية قليلة الكلفة، وظهور جيل من السينمائيين الشباب الذين يرسمون خطواتهم الأولى في هذا المجال، عادت هذه المشكلة للظهور كمشكلة أساسية، وقد استطعت كمهتم ومشتغل في المجال أن ألاحظ أن المسبب الأول الذي كانت تعاد إليه هذه المشكلة في الثمانينيات ألا وهو المجتمع المحافظ المنغلق قد خفتَ تأثيره مع وجود جيل أكثر انفتاحاً وتفهماً، وزيادة الوعي تجاه الفن عموماً، وزيادة قبول هكذا مهن في المجتمع الأردني.
 

باتت المسؤولية برأيي تقع على عاتق المخرجين والمنتجين في البحث الدؤوب عن مواهب نسائية شابة مهتمة بد

المزيد


كراميل "نادين لبكي".. إطار سينمائي جميل وعزف على وتر الكبت الجنسي دون ابتذال..

تشرين الثاني 13th, 2007 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات

 

شخصياً، أختلف كثيراً مع توجه المخرجين العرب الحاصلين على الدعم الأوروبي إلى طرح مواضيع وثيمات معينة دون غيرها عن المجتمعات العربية في أفلامهم، كثيمات الكبت الجنسي والقمع الديني، وكأن مشاكل مجتمعاتنا تتلخص فقط في هذه المشكلات، بينما في الواقع هناك مشكلات واقعية أدهى وأمر لا يتطرق إليها أحد خوفاً من المساءلة السياسية ومن إغلاق أبواب التمويل الأوروبي والأسواق الأوروبية في وجه هذه الأفلام، وتنحو اللبنانية "نادين لبكي" نحو هذا الاتجاه في فيلمها الأول "كراميل" أو "سكر بنات" في ترجمته العربية، حيث تتطرق بصورة واقعية وفي إطار سينمائي جميل في فيلم أنثوي بامتياز إلى قضايا الكبت الجنسي والحرمان العاطفي عند المرأة العربية (اللبنانية تحديداً) في مجتمعها المحافظ.

 

نادين لبكي في فيلمها "كراميل" تسرد من خلال مجموعة فتيات يعملن في صالون نسائي وحيواتهن قصصاً مختلفة لنماذج نساء لبنانيات تختلف مشكلاتهن بين الكبت الجنسي والعلاقات غير الشرعية والمثلية الجنسية والحرمان العاطفي، وتحاول العزف على أوتار تفتح الأسواق الأوروبية لفيلم لبناني يجد أن أكبر مشكلات مجتمعه هي انعدام الحرية الجنسية للمرأة، وأنا هنا سأتناول الفيلم بالقراءة الموضوعية بعيداً عن رأيي شخصي في هذه الأفكار.


 

الفيلم فنياً، فيلم راق جداً، وغير مبتذل، ويتناول تلك القضايا الحساسة بصورة رمزية بعيدة عن الإسفاف، وبتلقائية وواقعية، ورغم انتقائية السيناريو في اختيار نماذج لشخصيات تخدم ما يريد الفيلم قوله، وعدم إبراز أي نموذج مختلف يطرح وجهة نظر مغايرة ويحافظ على موضوعية الفيلم، إلا أن الشخصيات جاءت حية وواقعية، وبدت نماذج لشخصيات حقيقية موجودة في المجتمع، الخطأ الوحيد كان بتعميم النموذج الذي يعاني من الكبت على كل شخوص الفيلم دون أي نموذج آخر يمثل شريحة أخرى بصورة إيجابية، والتركيز في الشخصيات جميعها دون استثناء سواء الذكورية أو الأنثوية على تركيبات الشخصيات المأزومة.

أكثر ما اعتمد عليه الفيلم هو الأداء العالي لممثلاته وممثليه

المزيد


الاجتياح.. أنسنة فلسطين درامياً للمرة الأولى في عمل معاصر

تشرين الأول 6th, 2007 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات


من يتابع مسلسل الاجتياح الذي أنتجه المركز العربي للخدمات السمعية والبصرية هذا العام، ويُعرض على شاشة الفضائية اللبنانية LBC، يلاحظ حرص صناع المسلسل، وإدراكهم لحجم التحدي الذي وضعوا أنفسهم فيه، فالعمل يناقش القضية الفلسطينية لأول مرة في عمل معاصر، فأحداثه تدور ابتداء من عام 2001، وبهذا يسطر المسلسل أول نقطة تحسب له، وهو كسر إطار المحظور في تناول هذه القضية بأحداثها المعاصرة في الدراما التلفزيونية العربية، فلأول مرة نشاهد معاناة الشعب الفلسطيني اليومية المعاصرة، ونقترب درامياً لنتفاعل مع شخوص كانت بالنسبة لنا مجرد أرقام شهداء، أو أسماء لا تعني لنا شيئاً على أكثر تقدير.

العمل يأخذ على عاتقه هذه المهمة الصعبة، والجميل فيه هو أنه يشحذ طاقات عربية من دول مختلفة لإخراج هذا العمل، فالممثلون ينقسمون ما بين الأردن وفلسطين وسوريا، والسيناريو للفلسطيني رياض سيف والإخراج تونسي يتولاه المبدع شوقي الماجري، والإنتاج لشركة أردنية كبيرة هي المركز العربي التي برأيي كانت سخية بما يكفي لإخراج العمل بالصورة المطلوبة.

 

سيناريو المسلسل مبني على قصص حقيقية، عاشها سكان مخيم جنين والشعب الفلسطيني قبل وبعد ملحمة صمود مخيم جنين الكبيرة في عام 2002، واجتياحه من قبل الجيش الإسرائيلي، ويأخذنا في قصص فرعية مع أحداث كنيسة المهد في بيت لحم ومن حوصروا واستشهدوا فيها من الفلسطينيين، والسيناريو مبني بناء لا بأس به كقصة وأحداث، قد نختلف معه في بعض الحقائق التاريخية سياسياً، ولكن صناع المسلسل لم يدعوا بأن المسلسل يؤرخ سياسياً لتلك الفترة بقدر ما يؤرخ لها إنسانياً وهو ما نجح فيه إلى حد كبير، وبدا هذا واضحاً في الجملة التي أضافها صناع المسلسل إلى اسمه: "الحياة والحب على مرمى من الرصاص"، فهو التركيز على الحياة والحب لا السياسة، وأظن الكاتب أيضاً أراد تبيان روح الوحدة واللحمة التي سادت الشعب الفلسطيني بمختلف أطيافه في تلك الفترة، وهو أمر يحسب للسيناريو، حيث لم يتطرق بأي شكل من الأشكال لأي فصيل من الفصائل، لا بالإشارة ولا بالتصريح، بل ركز على الجانب الإنساني في حياة المقاتلين وأسرهم، والجانب الإنساني في علاقاتهم ببعضهم البعض على اختلاف انتماءاتهم السياسية، كما ركز على وحدة هدفهم ومصيرهم كما يبدو حتى الآن وقد انقضى أكثره، وكيف يتعامل هذا الشعب بكبرياء لا مثيل له مع محاولات الإذلال الإسرائيلية الفاشلة، التي قد تصل إلى قطع إمدادات المياه عن مدينة بكاملها، ولاحظنا جلياً تركيزه على وحدة الحال بين الفلسطينيين على اختلاف أديانهم من مسلمين ومسيحيين، وحتى يهود، وتجلى هذا في مشاهد كنيسة المهد وفي العديد من الإشارات الأخرى، فحتى أحد المقاتلين كان مسيحياً. كما برز دور المرأة الفلسطينية واضحاً وجلية في تداخلها مع واقعها كأم وممرضة ومسعفة، وتجلى هذا كثيراً في نساء المخيم اللواتي أبين مغادرته وبقين مع المقاتلين، وتجلى الرمز لوحدة المصير والحال بهدم سكان المخيم جدران البيوت التي تفصلها عن بعضها البعض فأصبحت الكثير من بيوت المخيم عبارة عن بيت واحد كبير لتسهيل حركة المقاتلين، كما حاول المسلسل أن ينفي دافع الفقر واليأس عن المقاتلين الفلسطينيين، فشاهدنا الفتى الغني المدلل "بسيم" الذي لعب دوره "مكسيم خليل"، الذي توفر له والدته كل شيء يبحث عن ذاته ليجد نفسه ينخرط في صفوف المقاومة.

 

هذا الجانب الإنساني لم يركز على الجانب الإيجابي في الإنسان دائماً، بل جاء دون رتوش، فركز على جوانب سلبية في النفس الإنسانية أيضاً، فبرزت دوافع مثل الانتقام والثأر، وسوء استخدام السلطة، وظهرت نماذج لشخصيات تنفي القداسة عن الشعب الفلسطيني، وتطرح معاناة أبنائه كبشر بمختلف دوافعهم ونفسياتهم ووقائع حيواتهم.

 

الحوار واللهجة من العناصر الهامة في هكذا مسلسل، الحوار جاء قوياً ومنطقياً وقريباً من القلب إلى حد كبير في بدايات المسلسل، فراعى طبيعة الظروف وكان واقعياً قريباً من مفردات الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، ولكن اعتراه بعض المط والتطويل فأصبح يميل إلى بعض الشعاراتية والوعظية بعض الشيء مع مرور الحلقات، أما اللهجة فقد راعى المخرج اختلاف اللهجات باختلاف المناطق والأصول، واستعان لذلك بمدقق للهجات، ساعده على ذلك العديد من الممثلين الأردنيين والسوريين من أصول فلسطينية، وكذلك الممثلون الأردنيون الذي تتطابق لهجتهم اليومية مع اللهجة الفلسطينية، وإن كان هناك بعض الهنات التي لا مناص منها على هذا الصعيد.


 

أداء الممثلين ربما يكون أقوى ما في العمل بالإضافة إلى التصوير، فالممثلون في هذا العمل كانوا على قدر تأريخ تلك الملحمة، وجاء اختيارهم موفقاً للغاية، فمنذر رياحنة الممثل الأردني الشاب الذي يؤدي في هذا المسلسل برأيي أفضل أدواره وجواز سفره إلى النجومية على المستوى العربي وربما أكثر من ذلك، يلعب دور مصطفى، المناضل الفلسطيني الشاب الذي يعاني وأسرته الأمرين في حياة النضال والمقاومة والمطاردة، يظهره لنا منذر بتلقائية قل نظيرها، وبأداء عالٍ جداً، كإنسان من لحم ودم، وليس شخصية درامية على الشاشة، بانفعالاته الصادقة وأحاس

المزيد


"أغرب من المخيلة Stranger Than Fiction" مزيج من السينما والأدب..يصنع فيلماً عن القدر..أغرب من الخيال

أيلول 2nd, 2007 كتبها رفقي عساف نشر في , مقالات

 

من يروي قصتنا لو كنا شخوصاً في رواية؟ كيف يمكن أن يكون صوته؟ بعيداً عن الرؤى الدينية لفكرة كهذه، فأي رواية تحكي قصة كائن بشري حقيقي، لا بد أن تنتهي بالموت، كيف ومتى وأين، لا أحد يعرف، ولكن، ماذا لو كان للرواية كاتب؟، هو سيعرف بكل تأكيد، فيلم عميق عن الأقدار، هو فيلم المخرج مارك فورستر "أغرب من المخيلة"، وقد اخترت أن أترجم الاسم بهذه الطريقة، لأن مصطلح Fiction باللغة الإنجليزية والذي يعني سرد قصة خيالية سواء من خلال الأدب أو السينما، يعني أيضاً "الخيال" باللغة العربية، وما أتحدث عنه هو فيلم أغرب من الخيال وأغرب من السرد معاً.

 

فيلم "أغرب من المخيلة" فانتازيا تبحث فكرة القدر بصورة جديدة تماماً، وتأخذنا في رحلة مع السؤال الأزلي، أنحن مخيرون أم مسيرون؟ أم كلاهما معاً، أراد فورستر من خلال سيناريو "زاك هيلم" المبدع الذي حصد جائزة أفضل سيناريو من مجلس النقد الأميركي، أن يسأل هذا السؤال، عن طريق الإبحار بنا في حياة شخص عادي "هارولد كريك" (الذي لعب دوره ويل فاريل)، رجل ميزاته عملية بحتة، يكتشف فجأة بأنه شخصية في رواية، ألسنا كلنا بشكل أو بآخر شخوصاً في رواية كبيرة؟

  

فورستر، المخرج الألماني المولد واسع الخيال، الذي سبق وقدم لنا فيلم "البحث عن اللامكان Finding Neverland"، يقترب من الواقع هذه المرة أكثر، ولكن بطريقة خيالية شاعرية، موشاة بالأفكار النبيلة عن الإنسان، وحياته المضغوطة بكل أنواع الروتين والصعوبات، والتي تحوله مع الوقت إلى شخص آخر، مختلف تماماً عن الشخص الذي كان يحلم به، وتضع مشاعره ورغباته الفطرية جانباً، لصالح مشاعر آلية تنمو لتتسيد الإنسان نفسه، أنحيا أم ان الدنيا تعيشنا؟


   كما أسلفت، اعتمد فورستر في هذا على سيناريو محكم، قدمه "زاك هيلم"، الذي يقدم ويا للمفاجأة تجربته الأولى في السيناريو السينمائي، سبقها تجربة في عمل تلفزيوني، واعتمد كذلك على الممثل المبدع، صاحب الأعمال الكوميدية عادة "ويل فاريل"، الذي يقدم في هذا الفيلم واحداً من أفضل أداءاته، وعند الحديث عن التمثيل، فلا بد من ذكر الممثلة البريطانية "إيما ثومبسون" التي لعبت دوراً مساعداً في هذا الفيلم، وكان أداؤها كعادتها أداء مميزاً للغاية، كان من أكثر ما شدني في الفيلم، إلى جانب مشاركة "داستن هوفمان" الذي أعتبره بحق واحداً من اهم الممثلين على الإطلاق، على الرغم من أنني وجدت أداءه في هذا الفيلم عادياً قياساً بإمكاناته غير العادية.

المزيد


نتائج مهرجان الأردن الثالث للأفلام القصيرة.. ونهاية تجربة جميلة

أغسطس 31st, 2007 كتبها رفقي عساف نشر في , إعلان, مقالات

قبل ساعات من الآن انتهت إحدى التجارب الجميلة في حياتي، تجربة مهرجان الأردن الثالث للأفلام القصيرة، هذا المهرجان الذي أسدل الستار على فعالياته الليلة الماضية بحفل ختام أنيق وبسيط، أعلنت من خلاله نتائج الأفلام الفائزة في المهرجان في مختلف أقسامه، والتي ستأتيكم أدناه، شاركت في هذا المهرجان كعضو لجنة اختيار الأفلام، وكعضو في اللجنة الإعلامية، وكعضو في لجنة التنظيم، وكانت بحق تجربة رائعة للغاية وفريدة، فإلى جانب عملي مع مدير المهرجان "حازم البيطار" منسق تعاونية عمان للأفلام التي أسعد بأنني ممن يعملون بالتعاون معها، كان لي شرف التعامل مع سينمائيين رائعين، ممثلين بلجنة التحكيم الرئيسية، مثل الأستاذ الذي أحبه وأجله كثيراً وأفخر بالتعامل معه والذي يستحق فعلاً لقب أستاذ السينما الأردنية "عدنان مدانات" رئيس اللجنة، والسينمائية طيبة الروح "نديرة أردجون" من مهرجان كليرمون فيران الفرنسي، والمدير التنفيذي لمهرجان تامبيري السينمائي الدولي "كاري لونيلا"، والمنتجة الألمانية "إريت نيدهاردت"، بالإضافة إلى تعرفي على أربعة مدونين أردنيين شباب، أحدهم شاركني عضوية لجنة الاختيار وهو الصديق "يزن أشقر"، وشكل الثلاثة الباقون لجنة تحكيم المدونين، التي رأسها الصديق "محمد القاق" صاحب مدونة خبيزة وضمت كلا من الصديقين "هبة جودة" صاحبة مدونة جايا و"وا

المزيد


التالي



نظف مرآتك منك

فلستَ الوجه

ولستَ الصورة