من يتابع مسلسل الاجتياح الذي أنتجه المركز العربي للخدمات السمعية والبصرية هذا العام، ويُعرض على شاشة الفضائية اللبنانية LBC، يلاحظ حرص صناع المسلسل، وإدراكهم لحجم التحدي الذي وضعوا أنفسهم فيه، فالعمل يناقش القضية الفلسطينية لأول مرة في عمل معاصر، فأحداثه تدور ابتداء من عام 2001، وبهذا يسطر المسلسل أول نقطة تحسب له، وهو كسر إطار المحظور في تناول هذه القضية بأحداثها المعاصرة في الدراما التلفزيونية العربية، فلأول مرة نشاهد معاناة الشعب الفلسطيني اليومية المعاصرة، ونقترب درامياً لنتفاعل مع شخوص كانت بالنسبة لنا مجرد أرقام شهداء، أو أسماء لا تعني لنا شيئاً على أكثر تقدير.
العمل يأخذ على عاتقه هذه المهمة الصعبة، والجميل فيه هو أنه يشحذ طاقات عربية من دول مختلفة لإخراج هذا العمل، فالممثلون ينقسمون ما بين الأردن وفلسطين وسوريا، والسيناريو للفلسطيني رياض سيف والإخراج تونسي يتولاه المبدع شوقي الماجري، والإنتاج لشركة أردنية كبيرة هي المركز العربي التي برأيي كانت سخية بما يكفي لإخراج العمل بالصورة المطلوبة.

سيناريو المسلسل مبني على قصص حقيقية، عاشها سكان مخيم جنين والشعب الفلسطيني قبل وبعد ملحمة صمود مخيم جنين الكبيرة في عام 2002، واجتياحه من قبل الجيش الإسرائيلي، ويأخذنا في قصص فرعية مع أحداث كنيسة المهد في بيت لحم ومن حوصروا واستشهدوا فيها من الفلسطينيين، والسيناريو مبني بناء لا بأس به كقصة وأحداث، قد نختلف معه في بعض الحقائق التاريخية سياسياً، ولكن صناع المسلسل لم يدعوا بأن المسلسل يؤرخ سياسياً لتلك الفترة بقدر ما يؤرخ لها إنسانياً وهو ما نجح فيه إلى حد كبير، وبدا هذا واضحاً في الجملة التي أضافها صناع المسلسل إلى اسمه: "الحياة والحب على مرمى من الرصاص"، فهو التركيز على الحياة والحب لا السياسة، وأظن الكاتب أيضاً أراد تبيان روح الوحدة واللحمة التي سادت الشعب الفلسطيني بمختلف أطيافه في تلك الفترة، وهو أمر يحسب للسيناريو، حيث لم يتطرق بأي شكل من الأشكال لأي فصيل من الفصائل، لا بالإشارة ولا بالتصريح، بل ركز على الجانب الإنساني في حياة المقاتلين وأسرهم، والجانب الإنساني في علاقاتهم ببعضهم البعض على اختلاف انتماءاتهم السياسية، كما ركز على وحدة هدفهم ومصيرهم كما يبدو حتى الآن وقد انقضى أكثره، وكيف يتعامل هذا الشعب بكبرياء لا مثيل له مع محاولات الإذلال الإسرائيلية الفاشلة، التي قد تصل إلى قطع إمدادات المياه عن مدينة بكاملها، ولاحظنا جلياً تركيزه على وحدة الحال بين الفلسطينيين على اختلاف أديانهم من مسلمين ومسيحيين، وحتى يهود، وتجلى هذا في مشاهد كنيسة المهد وفي العديد من الإشارات الأخرى، فحتى أحد المقاتلين كان مسيحياً. كما برز دور المرأة الفلسطينية واضحاً وجلية في تداخلها مع واقعها كأم وممرضة ومسعفة، وتجلى هذا كثيراً في نساء المخيم اللواتي أبين مغادرته وبقين مع المقاتلين، وتجلى الرمز لوحدة المصير والحال بهدم سكان المخيم جدران البيوت التي تفصلها عن بعضها البعض فأصبحت الكثير من بيوت المخيم عبارة عن بيت واحد كبير لتسهيل حركة المقاتلين، كما حاول المسلسل أن ينفي دافع الفقر واليأس عن المقاتلين الفلسطينيين، فشاهدنا الفتى الغني المدلل "بسيم" الذي لعب دوره "مكسيم خليل"، الذي توفر له والدته كل شيء يبحث عن ذاته ليجد نفسه ينخرط في صفوف المقاومة.
هذا الجانب الإنساني لم يركز على الجانب الإيجابي في الإنسان دائماً، بل جاء دون رتوش، فركز على جوانب سلبية في النفس الإنسانية أيضاً، فبرزت دوافع مثل الانتقام والثأر، وسوء استخدام السلطة، وظهرت نماذج لشخصيات تنفي القداسة عن الشعب الفلسطيني، وتطرح معاناة أبنائه كبشر بمختلف دوافعهم ونفسياتهم ووقائع حيواتهم.
الحوار واللهجة من العناصر الهامة في هكذا مسلسل، الحوار جاء قوياً ومنطقياً وقريباً من القلب إلى حد كبير في بدايات المسلسل، فراعى طبيعة الظروف وكان واقعياً قريباً من مفردات الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، ولكن اعتراه بعض المط والتطويل فأصبح يميل إلى بعض الشعاراتية والوعظية بعض الشيء مع مرور الحلقات، أما اللهجة فقد راعى المخرج اختلاف اللهجات باختلاف المناطق والأصول، واستعان لذلك بمدقق للهجات، ساعده على ذلك العديد من الممثلين الأردنيين والسوريين من أصول فلسطينية، وكذلك الممثلون الأردنيون الذي تتطابق لهجتهم اليومية مع اللهجة الفلسطينية، وإن كان هناك بعض الهنات التي لا مناص منها على هذا الصعيد.

أداء الممثلين ربما يكون أقوى ما في العمل بالإضافة إلى التصوير، فالممثلون في هذا العمل كانوا على قدر تأريخ تلك الملحمة، وجاء اختيارهم موفقاً للغاية، فمنذر رياحنة الممثل الأردني الشاب الذي يؤدي في هذا المسلسل برأيي أفضل أدواره وجواز سفره إلى النجومية على المستوى العربي وربما أكثر من ذلك، يلعب دور مصطفى، المناضل الفلسطيني الشاب الذي يعاني وأسرته الأمرين في حياة النضال والمقاومة والمطاردة، يظهره لنا منذر بتلقائية قل نظيرها، وبأداء عالٍ جداً، كإنسان من لحم ودم، وليس شخصية درامية على الشاشة، بانفعالاته الصادقة وأحاس
المزيد